شكيب أرسلان
113
الرحلة الحجازية ( الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف )
فأمّا قول صاحب صقلية : إنّه لو قتل عبد المؤمن إفرنج المهدية لقتل هو مسلمي صقلية ، فقد كان يصدر مثل هذا الفعل من الإفرنج . . . فأما المسلمون فكانوا يأنفون من ذلك ، وصالح معاوية بن أبي سفيان الروم ، وارتهن منهم رهناء ، فوضعهم ببعلبك ، ثم غدر الروم وقتلوا المسلمين ، فلم يشأ معاوية والمسلمون قتل من في أيديهم من رهائن الروم ، وخلّوا سبيلهم ، وقالوا : وفاء بغدر ، خير من غدر بغدر ، وهو قول العلماء والإمام الأوزاعي رضي اللّه عنه ، وهو من قوله تعالى : وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [ الأنعام : 164 ] . وقد كان شاهد هذا الحديث هو صنيع عبد المؤمن بن علي السلطان الكبير الذي قيل فيه : ما هزّ عطفيه بين البيض والأسل * مثل الخليفة عبد المؤمن بن علي فقد ساق مئة ألف مقاتل ، ومعها مئة ألف من سوقة وأتباع من مراكش إلى تونس ، بدون أن تتأذّى بهم سنبلة قمح ، ولما أراد حصار المهدية جعل الحبوب جبالا ، فمثل هذا بين الملوك يقدّر له النجاح ، ويصحب دولته الفلاح . ولعبد المؤمن بن علي آثار كثيرة ، منها بمراكش بستان المسرّة ، طوله ثلاثة أميال ، وعرضه قريب منها ، ورووا أنّه كان مبيع زيتون هذا البستان وفواكهه ثلاثين ألف دينار مؤمنية ، على رخص الفاكهة بمراكش . وقد درس هذا البستان كما درس غيره ، حتى جدّده المنصور السعدي بعد ذلك بأربعمئة وخمسين سنة . * * *